عبد الملك الجويني

412

نهاية المطلب في دراية المذهب

دون مسافة القصر ينزلون - إن وجدوا الزاد - منزلة أهل الناحية ، إذا قام بالدفع مَنْ فيه الكفاية . وإن لم يكن في أهل الناحية كفاية ، فيتعين على الأقربين أن يطيروا إليهم ، وإذا قلنا ؛ إنهم بمثابة أهل الناحية ، لم نغادر من البيان المقصود شيئاً في طوارىء القوة والضعف . فأما الذين يقعون من الناحية على مسافة القصر فصاعداً ، فإذا بلغهم الخبر ، نُظر : فإن لم يكن في أهل الناحية ، وفي الذين يلونهم كفاية ، تعيّن عليهم أن يتطيَّروا إليهم ، ثم الأظهر هاهنا أنه إذا طار إليهم قوم فيهم كفاية ، سقط الحرج عن الباقين . ومن أصحابنا من قال : يتعين على كافة أهل الناحية التي صورناها أن يطيروا ويتسارعوا إليهم ؛ فإن هذا يمنع التخاذل والتواكل ، ولو بنينا الأمر على الكفاية وقد [ جدّ الجد ] ( 1 ) وليس هذا مما يقبل الأناة ، بخلاف القتال الموضوع لإقامة فرض الكفاية ، والكفار قارّون ، فلا ينتظم دفع هذه العظيمة مع المصير إلى الاكتفاء بخروج البعض ، لما في الطباع من الانحباس عن القتال ، وإذا فرض ذلك ، فإلى أن يظهر للكافة لحوق الحرج ، ربما تجري عظائم من القتل والأسر ، واهتتاك الحرمات ، فالوجه الإيجاب على الكافة إذا لم يكن بين أيديهم إلى ما يلي الكفار من فيه كفاية ، وهذا يترتب على ما ذكرناه في أهل الناحية إذا كان فيهم كفاية ، وكان البعض منهم يستقلّ بالأمر . وما ذكرناه من الخلاف في البعد مرتب على ما ذكرناه في أهل الناحية والذين يقربون منهم ، فإن كنا نكتفي في أهل الناحية بمن فيه كفاية ، فهذا في البعيدين أولى ، وإن لم نكتف في أهل الناحية ، ففي الذين يبعدون وجهان ، ثم ينبني على الوجهين في البعيدين ما نذكره ، فإن بنينا الأمر على الكفاية ، أخرجنا العبيد والنساء ، وإن قلنا : عليهم أن يخرجوا بجملتهم - وإن كان في بعضهم كفاية - ففي العبيد والنسوان وجهان ، إذا كان في النسوان مُنّة ، ولا خلاف أن الخبر إذا بلغهم ، لم يكن لهم أن يلبثوا تعويلاً

--> ( 1 ) في الأصل : " وجد الجد " .